الشيخ محمد رشيد رضا

310

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بالدلائل العقلية فلو جعلنا الآن طاعنا في صحة الدلائل العقلية لزم التناقض وهو باطل اه وكان ينبغي أن يرد عليهم بأن الآن قد هدى إلى الدلائل العقلية باستدلاله بالمعقول ، ومخاطبته لأولي الألباب وأصحاب العقول ، على أننا لا نعرف طائفة من الناس تنكر النظر العقلي والبراهين العقلية مطلقا ، وانما أنكر بعض العقلاء وأهل البصيرة على أمثاله من المتكلمين جعل العقائد والصفات الإلهية وأخبار عالم الغيب محلا لنظريات فلسفية ، وموقوفا اثباتها على اصطلاحات جدلية ما أنزل اللّه بها من سلطان ، ولم يستفد أصحابها منها غير تفريق الدين ، واختلاف المسلمين ، والبعد عن حق اليقين ، ويرى هؤلاء ان كون الآن من عند اللّه تعالى قد ثبت ثبوتا عقليا من وجوه كثيرة فوجب اتباعه بتلقي العقائد والاحكام منه مع اجتناب التأويل للصفات الإلهية والأمور الغيبية بالنظريات الكلامية كما كان عليه السلف الصالح . وقد بينا هذا في مواضع أخرى * * * ( 3 ) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ( 4 ) فَما كانَ دَعْواهُمْ إِذْ جاءَهُمْ بَأْسُنا إِلَّا أَنْ قالُوا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ كانت الآية الأولى من السورة في بيان انزال الكتاب إلى الرسول ( ص ) لينذر به كل الناس ، وذكرى وموعظة لأهل الايمان ، والآية الثانية استئناف بياني لما يبدأ به من التبليغ وهو أن يأمر الناس باتباع ما أنزل إليهم من ربهم وأن لا يتبعوا من دونه أحدا يتولونه في أمر التشريع الخاص بالرب تعالى . ولما كان الانذار تعليما مونا بالتخويف من عاقبة المخالفة قفى على هذه القاعدة الأولى التي هي أم القواعد لأصول الدين بالتخويف من عاقبة المخالفة لها ولما يتلوها من أصول الدين وفروعه فبدأ في هاتين الآيتين بالتخويف من عذاب الدنيا فقال : * * * ( وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتاً أَوْ هُمْ قائِلُونَ ) « كَمْ » خبرية تفيد الكثرة ، والية تطلق على الأمة قال الراغب : الية للموضع الذي يجتمع فيه الناس وللناس جميعا ( أي معا ) ويستعمل لكل منهما ، قال تعالى ( وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ ) قال كثير من المفسرين معناه أهل الية ، وقال بعضهم بل الية ههنا القوم أنفسهم اه أي من غير تقدير مضاف . والذين يقولون بالتقدير يرون انه